استمع إلى تسجيل لأم كلثوم من العشرينيات ثم إلى آخر من الستينيات، وستجد أن أوضح ما تغيّر ليس صوتها، بل كل ما حوله. بدأت مشوارها في القاهرة أمام تخت، ذلك التجمّع الحميم الصغير الذي عرفته الموسيقى العربية الكلاسيكية، وختمته أمام فرقة من عشرات العازفين. وقصة هذا النموّ هي قصة الموسيقى المصرية في القرن العشرين مختصرة.
التخت الكلاسيكي
كلمة «تخت» من أصل فارسي بمعنى المنصّة أو الدكّة: أي أن الجوق صغير بحيث يسعه مقعد واحد. وفي صورته المثالية يضم خمس آلات لكل منها دور محدد.
العود قلب التخت الدافئ، قادر على الغناء اللحني والدفع الإيقاعي معًا، وهو الآلة التي صاغ عليها معظم ملحني العصر أعمالهم، ومنهم محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي. والقانون، بأوتاره الكثيرة الممدودة على صندوق شبه منحرف، يمنح النسيج بريقه وزخرفته، وتتيح عُرَبه المعدنية تعديل درجات النغم أثناء العزف، فيغدو أرشد دليل للتخت في دروب المقامات. والناي، القصبة المنفوخة، هو نَفَس الجوق، وأقرب الآلات صوتًا إلى الحنجرة البشرية. والكمان الذي استُقدم من أوروبا في القرن التاسع عشر ثم أُعيد ضبطه ليؤدي النغم العربي بربعِيّاته، أضاف مدًّا غنائيًا لم تعرفه الآلات الوترية القديمة. أما الرق، ذلك الدف الصغير ذو الصنوج النحاسية، فهو ضابط الزمن: في اليد الخبيرة يختزن طاقة إيقاعية تعادل فرقة كاملة.
ولا يعزف التخت «هارموني» بالمعنى الغربي؛ بل تسير الآلات جميعًا في اللحن الواحد، تزيّنه كلٌّ بطبيعتها، في نسيج يسمى «تعدد التنويع على الخط الواحد»، تتعايش فيه الوحدة والفردية في كل مازورة.
من التخت إلى الفرقة
حين رسّخت أم كلثوم مكانتها في قاهرة العشرينيات كان التخت هو المرافق المعتمد لأي مغنٍّ جاد، فاستقدمت أمهر عازفي المدينة. غير أن الأسطوانة والسينما، ثم الإذاعة قبل كل شيء، غيّرت مقاييس الموسيقى. فبدأ الملحنون الذين أنصتوا إلى الأوركسترا الأوروبية — وعبد الوهاب في مقدمتهم — يضيفون صفوف الكمنجات والتشيللو والكونترباص، حتى اتسع التخت الحميم إلى «الفرقة»: أوركسترا تملأ المسرح، قوامها قسم وتريات كبير، وفي قلبها الآلات التقليدية.
ونمت فرقة أم كلثوم مع الزمن. ففي الستينيات كانت حفلاتها تقدَّم بفرقة من العشرات، وكتب الملحنون لإمكاناتها الجديدة: المقدمات الوترية المتدفقة في إنت عمري، والاستهلالات الأوركسترالية الممتدة التي بناها بليغ حمدي لأغنية ألف ليلة وليلة والتي مزجت ألوانًا أحدث — منها الأكورديون وآلات المفاتيح الكهربائية — بالصوت العريق. ومع ذلك لم تفرّط الفرقة في روح التخت: احتفظ القانون والناي والعود والرق بأصواتها المنفردة، وبقيت غريزة السير في اللحن الواحد حيّة داخل الإطار الأكبر.
عازفوها
كان العازفون الذين جمعتهم أم كلثوم حولها نجومًا بذاتهم؛ يعرفهم مستمعو الإذاعة من جملة واحدة، ويستقبلهم جمهور المسرح بتصفيق لا يُمنح عادة إلا للمطربين. كانت تدرّبهم بصرامة وتحتفظ بكثير منهم عقودًا، وهذا الثبات أحد أسباب بقاء صوتها الجماعي مميزًا رغم تبدّل الأساليب. وتصفهم شهادات المعاصرين بأنهم لم يكونوا مرافقين بقدر ما كانوا صفًّا من العازفين المنفردين، كلٌّ ينتظر لحظته في السهرة حين يستدير الضوء إليه قليلًا.
فن الفاصل الآلي
كانت تلك اللحظات جوهرية، لأن الآلات في هذا الفن لا تكتفي بمساندة الصوت بل تحاوره. ثلاثة أشكال من الكلام الآلي صنعت كل حفلة: المقدمة الأوركسترالية التي قد تمتد دقائق طويلة قبل أن تنطق المغنية بحرف، تغرس المقام والجمل الرئيسية في أذن الجمهور وترفع الترقب إلى غليان محسوب؛ والتقاسيم، وهي ارتجال منفرد حر الإيقاع يتيح لعازف واحد أن يجوب المقام على هواه؛ واللوازم، تلك الردود القصيرة بين الجمل الغنائية، تجيب المغنية سطرًا بسطر، ترجيعًا أو تزيينًا.
وفي الحفل تتحول هذه المحاورات إلى دائرة متبادلة مع الجمهور: تقسيمة بارعة أو لازمة في موضعها تُطلق صيحات الاستحسان، فتشحذ العازفين، فترتفع المغنية بدورها. لم تكن الفرقة خلفية إذن، بل النصف الآخر من الحوار — وفهمها نصف الطريق إلى فهم كيف كانت أغنية واحدة تمسك بجمهورها ساعة كاملة لا تفلته.